تقرير بحث السيد كمال الحيدري لشيخ علي العبادي
123
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول )
فإِنْ قلتَ : هبْ أنَّ الإنسانَ الفاعلَ المختارَ ليسَ بعلّةٍ تامّةٍ ، لكنَّ الواجبَ - عزَّ اسمهُ - فاعلٌ مختارٌ ، وهوَ علّةٌ تامّةٌ لما سواهُ . وكونُ العالمَ واجباً بالنسبةِ إليهِ ينافي حدوثَه الزمانيّ ؛ ولذلكَ اختارَ قومٌ : أنَّ فعلَ المختارِ لا يحتاجُ إلى مرجّحٍ ، واختارَ بعضهمْ : أنَّ الإرادةَ مرجّحةٌ بذاتها ، لا حاجةَ معها إلى مرجّحٍ آخرَ ، واختارَ جمعٌ : أنَّ الواجبَ - تعالى - عالمٌ بجميعِ المعلوماتِ ، فما علمَ منهُ أنّهُ ممكنٌ سيقعُ يفعلُه ، وما علمَ منهُ أنّه محالٌ لا يقعُ لا يفعلهُ ، واختارَ آخرونَ : أنَّ أفعالَهُ - تعالى - تابعةٌ للمصالحِ ، وإنْ كنّا غيرَ عالِمينَ بها ، فما كانَ منها ذا مصلحةٍ في وقتٍ تفوتُ لو لم يفعلهُ في ذلكَ الوقتِ ، فعلهُ في ذلكَ الوقتِ دونَ غيرهِ . قلتُ : معنى كونهِ - تعالى - فاعلًا مختاراً : أنّهُ ليسَ وراءَهُ تعالى شيءٌ يجبرهُ على فعلٍ أوْ تركٍ ، فيوجبُه عليهِ ؛ فإنَّ الشيءَ المفروضَ إمّا معلولٌ لهُ ، وإمّا غيرُ معلولٍ ، والثاني محالٌ ؛ لأنّهُ واجبٌ آخرُ ، أو فعلٌ لواجبٍ آخرَ ، وأدلّةُ التوحيدِ تبطلهُ ، والأوّلُ - أيضاً - محالٌ ؛ لاستلزامهِ تأثيرَ المعلولِ بوجودِه القائمِ بالعلّةِ المتأخّر عنها في وجودِ علّتهِ التي يستفيضُ عنها الوجودُ . فكونُ الواجبِ تعالى مختاراً في فعلهِ لا ينافي إيجابُه الفعلَ الصادرَ عنْ نفسهِ ، ولا إيجابُه الفعلَ ينافي كونَهُ مختاراً فيهِ . وأمّا حدوثُ العالمِ - بمعنى ما سوى الواجبِ - حدوثاً زمانيّاً ، فمعنى حدوثِ العالمِ حدوثاً زمانيّاً كونُه مسبوقاً بقطعةٍ مِن الزمانِ ،